أبي بكر جابر الجزائري

649

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

الغالبون وفعلا انقلبت الساحة كلها حيات وثعابين حتى أوجس موسى في نفسه خيفة فأوحى إليه ربه تعالى أن ألق عصاك فألقاها فإذا هي تلقف ما يأفكون . هذا معنى قوله تعالى في هذا السياق فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ « 1 » فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ « 2 » ومعنى تلقف ما يأفكون أي تبتلع في جوفها من طريق فمها كل ما أفكه أي كذبه وافتراه السحرة بسحرهم من انقلاب الحبال والعصي حيات وثعابين ، وقوله تعالى فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ أي أنهم لاندهاشهم وما بهرهم من الحق ألقوا بأنفسهم على الأرض ساجدين لله تعالى مؤمنين به ، فسئلوا عن حالهم تلك فقالوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ وهنا خاف فرعون تفلت الزمام من يده وأن يؤمن الناس بموسى وهارون ويكفروا به فقال للسحرة : آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ بذلك أي كيف تؤمنون بدون إذني ؟ على أنه يملك ذلك منهم وهي مجرد مناورة مكشوفة ، ثم قال لهم إِنَّهُ أي موسى لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ أي انه لما كان أستاذكم تواطأتم معه على الغلب فأظهرتم أنه غلبكم ، تمويها وتضليلا للجماهير . . ثم تهددهم قائلا فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ « 3 » عقوبتي لكم على هذا التواطؤ وهي لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ أي أقطع من الواحد منكم يده اليمنى ورجله اليسرى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ فلا أبقي منكم أحدا إلا أشده على خشبة حتى يموت مصلوبا ، هل فعل فرعون ما توعد به ؟ اللّه أعلم . هداية الآيات من هداية الآيات : 1 - لم يبادر موسى بإلقاء عصاه أولا لأن المسألة مسألة علم لا مسألة حرب ففي الحرب تنفع المبادرة بافتكاك زمام المعركة ، وأما في العلم فيحسن تقديم الخصم ، فإذا أظهر ما عنده كر عليه بالحجج والبراهين فأبطله وظهر الحق وانتصر على الباطل ، هذا الأسلوب الذي اتبع موسى بإلهام من ربه تعالى .

--> ( 1 ) يبدو أن الباء في قولهم بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ هي كالباء في بسم اللّه للاستعانة والتبرّك لا للقسم وهذا أولى بالمقام من الحلف على شيء لا يملكه المرء ، وتكون جملة : إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ مستأنفة استئنافا بيانيا وليست جواب قسم إلّا أنها حملت معنى القسم بما فيه من المؤكدات كأنهم قالوا إنّا وربّنا لغالبون . ( 2 ) قرأ نافع تلقف بتشديد القاف ، والأصل : تتلقف فحذفت إحدى التاءين تخفيفا ، وقرأ حفص تَلْقَفُ بتخفيف القاف من : لقف الشيء يلقفه لقفا : إذا أخذه بسرعة . ( 3 ) اللام للقسم . وبم يقسم فرعون ؟ يقسم بحسب عادته في إيمانه فقد يقسم بعزّته .